فصل: ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ أن السلطان أمر أن ينادى ببغداد أن لا يقعد على الطريق ولا في مسجد الجامع قاص ولا صاحب النجوم ولا زاجر وحلف الوراقون أن لا يبيعوا كتب الكلام والجدل والفلسفة ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ خلع جعفر المفوض من العهد لثمان بقين من المحرم وفي ذلك اليوم بويع المعتضد بولاية العهد بأنه ولي العهد من بعد المعتمد وانتشرت الكتب بخلع جعفر وتولية المعتضد ونفذت إلى البلدان وخطب للمعتضد ونفذت إلى البلدان وخطب للمعتضد بولاية العهد وأنشئت عن المعتضد كتب إلى العمال بأن أمير المؤمنين ولاه العهد وجعل إليه ما كان الموفق يليه من الأمر والنهي والولاية والعزل ‏.‏

وفي هذه السنة توفي المعتمد وبويع المعتضد ‏.‏

 باب ذكر خلافة المعتضد بالله

واسمه‏:‏ أحمد بن أبي أحمد الموفق بالله واسم أبي أحمد‏:‏ محمد وقيل‏:‏ طلحة بن جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بن الرشيد ويكنى‏:‏ أبا العباس وأمه أم ولد ‏.‏

كان اسمها ضرار ثم سميت‏:‏ تحقين وتوفيت قبل خلافته بيسير وكان مولده بسر من رأى سنة ثلاث وأربعين ومائتين ‏.‏

وقيل‏:‏ اثنتين وأربعين ومائتين وكان أسمر نحيف الجسم معتدل الخلق وقد وخطه الشيب قي مقدم لحيته طول وفي مقدم رأسه شامة بيضاء وكان نقش خاتمه ‏"‏ حامده أحمد يؤمن بالله الواحد ‏"‏ وكان له من الولد علي المكتفي ومحمد القاهر وجعفر المقتدر ‏.‏

بويع المعتضد في صبيحة الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين وهو ابن سبع وثلاثين سنة فولى عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزارة ومحمد بن شاه بن ميكال الحرس وصالحًا الحجابة ثم وزر له القاسم بن عبيد الله وقضاءه إسماعيل بن إسحاق ويوسف بن يعقوب وابن أبي الشوارب ‏.‏

وكان المعتضد من رجالات بني العباس ومن أكملهم وأكثرهم تجربة وكان أمر الخلافة قد ضعف وبيوت الأموال فارغة ودبر وساس فقال ابن المعتز‏:‏ يا أمير المؤمنين المرجى قد أقر الله فيك العيونا إذا دعينا لك بيعة حق فسعينا نحوها مسرعينا بنفوس أملتك زمانًا سبقت أيدينا طائعينا ذكر طرف من سيرته وأخباره أنبأنا محمد بن أبي طاهر البزاز قال‏:‏ أنبأنا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال‏:‏ حدثني عبد الله بن عمر الحارثي قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ حدثني أبو محمد عبد الله بن حمدون قال‏:‏ كان المعتضد في بعض متصيداته فجاز بعسكره وأنا معه فصاح ناطور في قراح قثاء فاستدعاه وسأله عن سبب صياحه فقال‏:‏ أخذ بعض الجيش من القثاء شيئًا ‏.‏

فقال‏:‏ اطلبوهم فجاءوا بثلاثة أنفس فقال‏:‏ هؤلاء الذين أخذوا القثاء فقال الناطور‏:‏ نعم فقيدهم في الحال وأمر بحبسهم فلما كان من الغد أنفذهم إلى القراح فضرب أعناقهم فيه وسار فأنكر الناس ذلك وتحدثوا به ومضت على ذلك مدة طويلة فجلست أحادثه ليلة فقال لي‏:‏ كلا يا أمير المؤمنين‏!‏ فقال‏:‏ أقسمت عليك بحياتي إلا ما صدقتني ‏.‏

قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين وأنا آمن قال‏:‏ نعم ‏.‏

قلت‏:‏ إسراعك إلى سفك الدماء قال‏:‏ والله ما هرقت دمًا منذ وليت الخلافة إلا بحقه قال‏:‏ فأمسكت إمساك من ينكر عليه ‏.‏

فقال‏:‏ بحياتي ما يقولون قلت‏:‏ يقولون إنك قتلت أحمد بن الطيب وكان خادمك ولم يكن له جناية ظاهرة ‏.‏

قال‏:‏ دعاني إلى الإلحاد فقلت له يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه وأنا الآن منتصب منصبه فألحد حتى أكون من فسكت سكوت من يريد الكلام فقال لي‏:‏ في وجهك كلام‏!‏ فقلت‏:‏ الناس ينقمون عليك أمر الثلاثة الأنفس الذين قتلتهم في القراح ‏.‏

فقال‏:‏ والله ما كان أولئك الذين أخذوا القثاء وإنما كانوا لصوصًا حملوا من موضع كذا وكذا ووافق ذلك أمر القثاء فأردت أن أصول على الجيش بأن من عاث من عسكري في هذا القدر كانت هذه عقوبتي له ليكفوا عما فوقه ولو أردت قتلهم لقتلتهم في الحال وإنما حبستهم وأمرت بإخراج اللصوص من غد مغطي الوجوه ليقال إنهم أصحاب القثاء فقلت‏:‏ كيف تعلم العامة هذا قال‏:‏ بإخراج القوم الذين أخذوا القثلاء وإطلاقي لهم في هذه الساعة ثم قال‏:‏ هاتوا القوم‏!‏ فجاءوا بهم وقد تغيرت حالهم من الحبس والضرب فقال‏:‏ ما قصتكم فقصوا عليه قصتهم فقال‏:‏ أتتوبون من مثل هذا الفعل حتى أطلقكم قالوا‏:‏ نعم‏!‏ فأخذ عليهم التوبة وخلع عليهم وأمر بإطلاقهم ورد أرزاقهم عليهم فانتشرت الحكاية وزالت عنه التهمة ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب حدثنا محمد بن نعيم الضبي قال‏:‏ سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول‏:‏ سمعت أبا العباس بن سريج يقول‏:‏ دخلت على المتعضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه فنظرت إليهم فرآني المعتضد وأنا أتأملهم فلما أردت القيام أشار إلي فمكثت ساعة فلما خلا قال لي‏:‏ أيها القاضي والله ما حللت سراويلي على حرام قط ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي عن علي بن المحسن قال‏:‏ حدثني أبي عن أبي محمد عبد الله بن حمدون قال‏:‏ قال لي المعتضد ليلة وقد قدم إليه العشاء‏:‏ لقمني وكان الذي قدم دراريج وفراريج فلقمته من صدر فروج فقال‏:‏ لا لقمني من فخذه فلقمته لقمًا ثم قال‏:‏ هات من الدراريج فلقمته من أفخاذها ‏.‏

فقال‏:‏ ويلك هو ذا تتنادر علي هات من صدورهن‏!‏ فقلت‏:‏ يا مولاي ركبت القياس فضحك ‏.‏

فقلت‏:‏ أنا إلى كم أضحكك ولا تضحكني قال‏:‏ شل المطرح وخذ ما تحته فأشلته فإذا دينار واحد‏!‏ فقلت‏:‏ آخذ هذا قال‏:‏ بالله هو ذا تتناذر علي أنت الساعة تتناذر علي‏!‏ خليفة يجيز نديمه بدينار ‏.‏

قال‏:‏ ويلك لا أجد لك في بيت المال حقًا أكثر من هذا ولا تسمح نفسي أن أعطيك شيئًا من مالي ولكن هو ذا أحتال لك بحيلة تأخذ فيها خمسة آلاف دينار‏!‏ فقبلت يده فقال‏:‏ إذا كان غدًا وجاء القاسم يعني ابن عبيد الله فهو ذا أسارك حين تقع عيني عليه سرارا طويلًا ألتفت فيه إليه كالمغضب وانظر أنت إليه في خلال ذلك كالمخالس لي نظر الترثي له فإذا انقطع السرار فاخرج ولا تبرح من الدهليز أو يخرج فإذا خرج خاطبك بجميل وأخذك إلى دعوته وسألك عن حالك فأشك الفقر والخلة وقلة حظك مني وثقل ظهرك بالدين والعيال وخذ ما يعطيك واطلب كل ما تقع عليه عينيك فإنه لا يمنعك حتى تستوفي الخمسة آلاف دينار فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى لنا فاصدقه وإياك أن تكذبه وعرفه أن ذلك حيلة مني عليه حتى وصل إليك هذا وحدثه بالحديث كله على شرحه وليكن إخبارك إياه بذلك بعد امتناع شديد وإحلاف منه لك بالطلاق والعتاق أن تصدقه وبعد أن تخرج من داره تأخذ كل ما يعطيك إياه وتجعله في بيتك فلما كان من غد حضر القاسم فحين رآه بدأ يسارني وجرت القصة على ما وضعني عليه فخرجت فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني فقال لي‏:‏ يا أبا محمد ما هذا الجفاء ما تجيئني ولا تزورني ولا تسألني حاجة فاعتذرت إليه باتصال ما تقنعني هذا إلا تزورني اليوم وتتفرج فقلت‏:‏ أنا خادم الوزير فأخذني إلى طياره وجعل يسألني عن حالي وأخباري وأشكو إليه الخلة والإضافة والدين والبنات وجفاء الخليفة وإمساك يده فيتوجع ويقول‏:‏ يا هذا ما لي لك ولن يضيق عليك ما يتوسع علي أو تتجاوزك نعمة تحصلت لي أو يتخطاك حظ نازل في فنائي ولو عرفتني لعاونتك على إزالة هذا كله عنك فشكرته وبلغنا داره فصعد ولم ينظر في شيء وقال‏:‏ هذا يوم أحتاج أن أختص فيه بالسرور بأبي محمد فلا يقطعني أحد عنه فأمر كتابه بالتشاغل بالأعمال وخلا بي في داره الخلوة وجعل يحادثني ويبسطني وقدمت الفاكهة فجعل يلقمني بيده وجاء الطعام وكانت هذه سبيله ‏.‏

وهو يستزيدني فلما جلس للشرب وقع لي بثلاثة آلاف دينار فأخذتها في الوقت وأحضرني ثيابًا وطيبًا ومركبًا فأخذت ذلك وكانت بين يدي صينية فضة فيها مغسل فضة وخردًا ذي بلور وكوز وقدح بلور فأمر بحمله إلى الطيارة وأقبلت كلما رأيت شيئًا حسنًا له قيمة وافرة طلبته وحمل إلي فرشًا نفيسًا وقال‏:‏ هذا للبنات‏!‏ فلما تقوص أهل المجلس خلا بي وقال‏:‏ يا أبا محمد‏!‏ أنت عالم بحقوق أبي عليك ومودتي لك‏!‏ فقلت‏:‏ أريد أن أسألك عن شيء وتحلف أنك تصدقني عنه‏!‏ فقلت‏:‏ السمع والطاعة‏!‏ فحلفني بالله وبالطلاق والعتاق على الصدق ثم قال لي‏:‏ بأي شيء سارك الخليفة اليوم في أمري فصدقته عن كل ما جرى حرفًا بحرف فقال‏:‏ فرجت عني وإن يكون هذا هكذا مع سلامة نيته لي أسهل عنه كل ما جرى علي ‏.‏

فشكرته وودعته وانصرفت إلى بيتي فلما كان بالغد باكرت المعتضد فقال‏:‏ هات حديثك‏!‏ فنسقته عليه فقال‏:‏ احفظ الدنانير ولا يقع لك أني أعمل مثلها معك بسرعة ‏.‏

أنبأنا أبو بكر بن عبد الباقي قال‏:‏ أنبأنا علي بن المحسن عن أبيه عن جده قال‏:‏ حدثني أبو محمد الحسن بن محمد الطلحي قال‏:‏ حدثني أحد خدم المعتضد المختصين بخدمته قال‏:‏ كنا حول سرير المعتضد ذات يوم نصف النهار وقد نام بعد أن أكل وكان رسمنا أن نكون حول سريره إذا نام منامه من الليل أو النهار فانتبه منزعجًا قال‏:‏ يا خدم يا خدم فأسرعنا الجواب ‏.‏

فقال‏:‏ ويلكم أغيثوني والحقوا‏!‏ الشط فأول ملاح ترونه منحدرًا في سفينة فارغة فاقبضوا عليه وجيئوني به ووكلوا بسفينته ‏.‏

فأسرعنا فوجدنا ملاحًا في سميرية منحدرًا وهي فارغة فقبضنا عليه ووكلنا بالسميرية فأصعدناه إليه فحين رآه الملاح كاد يتلف فصاح عليه صيحة واحدة عظيمة كادت روحه تخرج معها فقال‏:‏ اصدقني يا ملعون عن قصتك مع المرأة التي قتلتها وسلبتها اليوم إلا ضربت عنقك ‏.‏

قال‏:‏ فتلعثم وقال‏:‏ نعم كنت اليوم سحرًا في مشرعتي الفلانية فنزلت امرأة لم أر مثلها عليها ثياب فاخرة وحلي كثير وجوهر فطمعت فيها واحتلت عليها حتى سددت فاها وغرقتها وأخذت جميع ما كان عليها ولم أجترئ على حمل سلبها إلى بيتي لئلا يفشوا الخبر علي فعملت على الهرب وانحدرت الساعة لأمضي إلى واسط فعوقني هؤلاء الخدم وحملوني ‏.‏

فقال‏:‏ وأين الحلي والسلب ‏.‏

فقال‏:‏ في صدر السفينة تحت البواري ‏.‏

فقال المعتضد للخدم جيئوني به فمضوا وأحضروه وقال‏:‏ خذوا الملاح فغرقوه‏!‏ ففعلوا ثم أمر أن ينادى ببغداد كلها على امرأة خرجت إلى المشرعة الفلانية سحرًا وعليها ثياب وحلي يحضر من يعرفها ويعطي صفة ما كان عليها ويأخذه فقد تلفت المرأة فحضر في اليوم الثاني أو الثالث أهل المرأة فأعطوه صفة ما كان عليها فسلم ذلك إليهم قال‏:‏ فقلنا‏:‏ يا مولاي أوحي إليك فقال‏:‏ رأيت في منامي كأن شيخًا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادي‏:‏ يا أحمد‏!‏ خذ أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه وقرره خبر المرأة التي قتلها اليوم وسلبها وأقم عليه الحد فكان ما شهدتم ‏.‏

أنبأنا أبو بكر بن عبد الباقي قال‏:‏ أنبأنا علي بن المحسن عن أبيه قال‏:‏ حدثني محمد بن أحمد بن عثمان الزيات قال‏:‏ حدثني أبو بكر بن حوري وكان يصحب أبا عبد الله بن أبي عوف قال‏:‏ كنت ألزم ابن أبي عوف سنين لجوار بيننا ومودة وكان رسمي أن أجيء كل ليلة بعد العتمة فحين يراني يمد رجله في حجري فأغمزها وأحادثه ويسألني عن الحوادث ببغداد فكنت أستقرئها له فإذا أراد أن ينام قبض رجله فقمت إلى بيتي وقد مضى ثلث الليل أو نصفه أو أقل أو أكثر على هذا سنين فلما كان ذات يوم جاءني رجل كان يعاملني فقال‏:‏ ما هو قال رجل‏:‏ كنت أعامله فاجتمع لي عليه ألف دينار فطالبته فوهبني عقد جوهر قوم بألف دينار إلى أن يفتكه بعد الشعور أو أبيعه فأذن لي في ذلك فلما كان أمس وجه مؤنس صاحب الشرطة من كبس دكاني وفتح صندوقي وأخذ العقد فقلت‏:‏ أنا أخاطب ابن أبي عوف فيلزمه برده قال‏:‏ وأنا مدل بابن أبي عوف لمكاني منه ومكانه من المعتضد فلما كان تلك الليلة جئت وحادثته على رسمي وذكرت له في جملة حديثي العقد فلما سمع نحى رجله من حجري وقال‏:‏ ما أنا وهذا أعادي صاحب شرطة خليفة‏!‏ فورد على أمر عظيم فخرجت من بيته بنية أن لا أعود فلما صليت العتمة من الليلة المقبلة جاءني خادم لابن أبي عوف وقال‏:‏ لم تأخرت الليلة إن كنت متشكيًا جئناك ‏.‏

فاستحييت وقلت‏:‏ أمضي الليلة فلما رآني مد رجله وأقبلت بحديث متكلف فصبر على ذلك ساعة ثم قبض رجله فقمت فقال‏:‏ يا أبا بكر انظر إيش تحت المصلى فخذه فرفعت المصلى فإذا برقعة فأخذتها وتقدمت إلى الشمعة فإذا فيها يا مؤنس‏!‏ جسرت على قصد دكان رجل تاجر وفتحت صندوقه وأخذت منه عقد جواهر وأنا في الدنيا‏!‏ والله لولا أنها أول غلطة غلطتها ما جرى في ذلك مناظرة‏!‏ اركب بنفسك إلى دكان الرجل حتى ترد العقد بيدك في الصندوق ظاهرًا ‏.‏

فقلت لأبي عبد الله‏:‏ ما هذا‏!‏ فقال‏:‏ هذا خط المعتضد مثلت بين وجدك وبين مؤنس فاخترتك عليه فأخذت خط أمير المؤمنين بما تراه فامض وأوصله إليه فقبلت رأسه وجئت إلى الرجل فأخذت بيده ومضينا إلى مؤنس فسلمت التوقيع إليه فلما رآه اسود وجهه وارتعد حتى سقطت الرقعة من يده ثم قال‏:‏ يا هذا الله بيني وبينك‏!‏ هذا شيء ما علمت به فالا تظلمته إلي وإن لم أنصفكم فإلى الوزير بلغتم الأمر إلى أمير المؤمنين من أول وهله‏!‏ قال‏:‏ قال‏:‏ فقلت بعلمك جرى والعقد معك فأحضره فقال‏:‏ خذ الألف دينار التي عليه الساعة واكتبوا على الرجل ببطلان ما ادعاه فقلت‏:‏ لا نفعل‏!‏ فقال‏:‏ ألف وخمسمائة دينار قلت‏:‏ قال المحسن‏:‏ وبه حدثنا أبو أحمد الحسين بن محمد المدلجي قال‏:‏ بلغني عن خفيف السمرقندي قال‏:‏ كنت مع مولاي المعتضد في بعض متصيداته وقد انقطع عن العسكر وليس معه أحد غيري فخرج علينا أسد فقصدنا فقال لي المعتضد‏:‏ يا خفيف أفيك خير قلت‏:‏ لا يا مولاي‏!‏ فقال‏:‏ ولا حتى تمسك فرسي وأنزل أنا إلى الأسد فقلت‏:‏ بلى‏!‏ فنزل وأعطاني فرسه وشد أطراف ثيابه في منطقته واستل سيفه ورمى القراب إلي فأخذته وأقبل يمشي إلى الأسد فطلبه الأسد فحين قرب منه وثب الأسد عليه فتلقاه المعتضد بضربة فإذا يده قد طارت فتشاغل الأسد بالضربة فثناه بأخرى ففلق هامته فخر صريعًا ودنا منه وقد تلف فمسح السيف في صوفه ورجع إلي وغمد السيف وركب ثم عدنا إلى العسكر وصحبته إلى أن مات ما سمعته يحدث بحديث الأسد ولا علمت أنه لفظ فيه بلفظة فلم أدر من أي شيء أعجب من شجاعته وشدته‏!‏ أم قلة احتفاله بما صنع حتى قال المحسن‏:‏ وحدثني أبو الحسين محمد بن عبد الواحد الهاشمي قال‏:‏ حدثني القاضي أبو علي الحسن بن إسماعيل بن إسحاق - وكان ينادم المعتضد بالله - قال‏:‏ بينا المعتضد في مجلس سرور إذ دخل بدر فقال‏:‏ يا مولاي قد أحضرنا القطان الذي من بركة زلزل فنهض من مجلسه ولبس قباء وأخذ بيده حربة وقعد في مجلس قريب منا وقد مدت بيننا وبينه ستارة نشاهد من ورائها فأدخل عليه شيخ ضعيف فقال له بصوت شديد ووجه مقطب ونظر مغضب‏:‏ أنت القبطان الذي قلت أمس ما قلت فأغمي عليه لما تداخله من الخوف والورع ونحى عنه ساعة حتى سكن ثم أعيد إلى حضرته فقال له‏:‏ ويلك تقول في سوقك ليس للمسلمين من ينظر في أمورهم فأين أنا وما شغلي غير ذلك ‏.‏

قال‏:‏ يا أمير المؤمنين‏!‏ أنا رجل عامي ومعيشتي من القطن الذي أعامل فيه النساء وأهل الجهل ولا تمييز عند مثلي فيما يلفظ به وإنما اجتاز بي رجل ابتعت منه وكان ميزانه ووزنه تطفيفًا فقلت ما قلت وإنما أعني به المحتسب علينا ‏.‏

فقال له المعتضد‏:‏ بالله إنك أردت به المحتسب قال‏:‏ أي والله وأنا تائب من أن أقول مثل ما قلته أبدًا فأمر بأن يحضر المحتسب وينكر عليه فيترك النظر في هذه الأمور ورسم له اعتبار الصنج - والموازين على السواقة والطوافين ومراعاتهم حتى لا يبخسوا ثم قال للشيخ‏:‏ انصرف فلا بأس عليك‏!‏ وعاد إلينا فضحك وانبسط ورجع إلى ما كان عليه من قبل فقلت له‏:‏ يا مولاي‏!‏ أنت تعرف فضولي فتأذن لي أن أورد ما في نفسي فقال‏:‏ قل‏!‏ قلت‏:‏ مولانا كان على أكمل مسرة فترك ذاك وتشاغل بخطاب كلب من السوقة قد كان يكفيه أن يصيح عليه رجل من رجال المعونة ثم لم تقنع بإيصاله إلى مجلسه حتى غير لباسه وأخذت سلاحه واستقبحت مناظرته لأجل كلمة تقولها العامة دائمًا ولا يميزون ما فيها فقال‏:‏ يا حسن‏!‏ أنت تعلم ما يجره هذا القول إذا تداولته الألسن ووعته الأسماع وحصل في القلوب لأنه متى ألف ولقنه هذا عن هذا لم يؤمن أن يولد لهم في نفوسهم امتعاضًا للدين أو السياسة يخرجون فيه إلى إثارة الفتن وإفساد النظام وليس شيء أبلغ في هذا من قطع هذه الأسباب وحسم موادها من إزالة دواعيها وموجباتها وقد طارت روح هذا القطان بما شاهد وسمعه وسيحدث به ويزيد فيه ويعظم الأمر ويفخمه وسمع تقدمنا به في أمر المحتسب وما نحن عليه من مراعاة الكبير والصغير وينشر بين العامة بما يكف ألسنتها ويقيم الهيبة في نفوسها وليكون ما تكلفت من هذا التعب القليل قد كفاني التعب الكثير فأقبلنا ندعو له ‏.‏

قال المحسن‏:‏ وحدثنا القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي أن شيخًا من التجار كان له على أحد القواد في أيام المعتضد بالله مال قال التاجر‏:‏ فماطلني به وسلك معي سبيل الالطاط فيه وكان يحجبني إذا حضرت بابه ويضع غلمانه على الاستخفاف بي والاستطالة علي إذا رمت لقاءه وخطابه وتظلمت إلى عبيد الله بن سليمان منه فما نفعني ذلك وعملت على الظلامة إلى المعتضد بالله وبينا أنا مرو في أمري قال لي بعض أصدقائي‏:‏ علي أن آخذ لك مالك من غير حاجة إلى ظلامة فاستبعدت هذا وقمت معه فجئنا إلى خياط شيخ في سوق الثلاثاء يقرئ القرآن في مسجد هناك ويخيط بأجرة فقص عليه قصتي وشرح له صورتي وسأله أن يقصد القائد ويخاطبه في الخروج إلي من حقي وكانت دار القائد قريبة من مسجد الخياط فنهض معنا ومشينا فخفت بادرة القائد وسطوته وتصورت أن قول قد عرضنا هذا الشيخ ونفوسنا لمكروه عظيم وما هو إلا أن يراه غلمانه وقد أوقعوا به وإذا كان لا يقبل قول الوزير عبيد الله بن سليمان فبالأولى أن لا يقبل منه ولا يفكر فيه فضحك وقال‏:‏ لا عليك‏!‏ وجئنا إلى باب القائد فحين رأى غلمانه الخياط تلقوه وأعظموه وأهووا ليقبلوا يده فمنعهم منها وقالوا‏:‏ ما جاء بك أيها الشيخ فإن قائدنا راكب فإن كان لك أمر نقوم بذكره له وتنتجزه إياه فعلنا وإن أردت الجلوس والانتظار فالدار بين يديك‏!‏ فلما سمعت ذلك قويت نفسي ودخلنا وجلست ورآني القائد فلما رآه أكرمه إكرامًا شديدًا وقال له‏:‏ لست أنزع ثيابي حتى تأمر بأمرك فخاطبه في شأني فقال‏:‏ والله ما معي إلا خمسة آلاف درهم فتسأله أن يأخذها ويأخذ رهونًا من مراكبي الذهب والفضة بقيمة ما يبقى من ماله لأعطيه إياه بعد شهر فبادرت أنا إلى إجابته وأحضرت الدراهم والمراكب بقيمة الباقي فقبضتها وأشهدت الخياط وصديقي عليه بأن الرهن عندي إلى مدة شهر فإن جاز كنت وكيله في بيعه وآخذ مالي من ثمنه وخرجنا فلما بلغنا مسجد الخياط ودخلنا طرحت الدراهم بين يديه وقلت له‏:‏ يا هذا ما أسرع ما قابلتني بالقبيح على الجميل انصرف بمالك بارك الله لك فيه ‏.‏

قلت‏:‏ قد بقيت لي حاجة قال‏:‏ قل‏!‏ قلت‏:‏ أحب أن تخبرني عن سبب طاعة هذا القائد لك مع إقلاله الفكر بأكابر الدولة ‏.‏

فقال‏:‏ قد بلغت غرضك فلا تقطعني عن شغلي بحديث لا فائدة لك فيه ‏.‏

فألححت عليه ‏.‏

فقال‏:‏ أنا رجل أقرئ وأؤم بالناس في هذا المسجد منذ أربعين سنة لا أعرف كسبًا إلا من الخياطة وكنت صليت المغرب منذ مدة وخرجت أريد منزلي فاجتزت على تركي كان في هذه الدار وأومأ إلى دار بالقرب منه وإذا امرأة جميلة الوجه قد اجتازت عليه فعلق بها وهو سكران فطالبها بالدخول إلى داره وهي تمتنع وتستغيث وتقول في كلامها‏:‏ إن زوجي قد حلف بطلاقي أن لا أبيت عنه وإن أخذني هذا وغصبني نفسي وبيتني عنده خرب بيتي ولحقني من العار ما لا تدحضه الأيام عني‏!‏ وما أحد يعينها ولا يمنعه منها فجئت إلى التركي ورفقت به في أن يخلي عنها فلم يفعل وضرب رأسي بدبوس كان في يده فشجه وأدخل المرأة فصرت إلى منزلي وغسلت الدم عن وجهي وشددت رأسي وخرجت لصلاة العشاء الآخرة فلما فرغنا من الصلاة قلت لمن حضر قوموا معي إلى هذا التركي عدو الله لننكر عليه ونخرج المرأة من عنده فقاموا وجئنا فضججنا على بابه فخرج إلينا عدة من غلمانه فأوقع بنا وقصدني من بين الجماعة بالضرب الشديد الذي يكاد يتلفني فحملت إلى منزلي وأنا لا أعقل أمري ونمت قليلًا للوجع فطار النوم من عيني وسهرت مستلقيًا على فراشي مفكرًا في أمر المرأة وأنها متى أصبحت طلقت ثم قلت‏:‏ هذا رجل قد شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات فلو أذنت لوقع له أن الفجر قد طلع فربما أخرج المرأة فمضت إلى بيتها وتبيت وبقيت في حبال زوجها فتكون قد خلصت من أحد المكروهين فخرجت متحاملًا إلى المسجد وصعدت المنارة وأذنت وجلست أطلع إلى الطريق أرتقب خروج المرأة من الدار واعتقدت أن أقيم إن تراخى الأمر ذلك لئلا يشك في الصباح فما مضت ساعة حتى امتلأ الشارع خيلًا ورجالًا ومشاعل وهم يقولون‏:‏ من الذي أذن الساعة ففزعت وسكت ثم قلت أخاطبهم وأصدقهم عن أمري لعلهم يعينونني على خروج المرأة فصحت من المنارة‏:‏ أنا أذنت‏!‏ قالوا‏:‏ انزل وأجب أمير المؤمنين‏!‏ فنزلت ومضيت معهم فإذا هم غلمان بدر فأدخلني إلى المعتضد اسكن ما حملك على الأذان في غير وقته وأن تغر الناس فيخرج ذو الحاجة في غير حينه ويمسك المريد الصوم في وقت أبيح له الأكل والشرب فقلت‏:‏ يؤمنني أمير المؤمنين لأصدقنه قال‏:‏ أنت آمن‏!‏ فقصصت عليه قصة التركي وأريته الآثار التي في رأسي ووجهي فقال‏:‏ يا بدر‏!‏ علي بالغلام والمرأة فأحضرا فسألها المعتضد عن أمرها فذكرت له مثل ما ذكرته فأمر بإنفاذها إلى زوجها مع ثقة يدخلها دارها ويشرح لزوجها خبرها ويأمره عنه بالتمسك بها والإحسان إليها ثم استدعاني ووقفت فجعل يخاطب الغلام ويسمعني ويقول‏:‏ كم رزقك فيقول‏:‏ كذا وكذا ‏.‏

وكم عطاؤك فيقول‏:‏ كذا وكم وظيفتك فيقول‏:‏ كذا ‏.‏

وكم كسوتك فيقول‏:‏ كذا ‏.‏

إلى أن عدد شيئًا كثيرًا ثم قال‏:‏ كم لك جارية ‏.‏

قال‏:‏ كذا فقال‏:‏ فما كان لك في هذه النعمة وفي هؤلاء الجواري ما يكفيك ويكفك عن محارم الله تعالى وخرق سياسة السلطان والجرأة عليه وما كان عذرك في الوثوب على من أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر فأسقط في يد الغلام ولم يكن له جواب يورده ثم قال‏:‏ يحضر جوالق ومداق الجص وقيود وغل ‏.‏

فأحضر جميع ذلك فقيده وغله وأدخله الجوالق وأمر الفراشين فدقوه بمداق الجص وهو يصيح إلى أن خفت صوته وانقطع حسه وأمر به وطرح إلى دجلة ‏.‏

وتقدم إلى بدر بتحويل ما في داره ثم قال لي‏:‏ قد شاهدت ذلك كله‏!‏ متى رأيت يا شيخ منكرًا كبيرًا أو صغيرًا فأنكره ولو على هذا - وأومأ إلى بدر - ومن تقاهس عن القبول منك فالعلامة بيننا أن تؤذن في مثل هذا الوقت لأسمع صوتك فأستدعيك ‏.‏

قال الشيخ‏:‏ فدعوت له وانصرفت وشاع الخبر في الجند والغلمان فما سألت أحدًا منهم بعدها إنصافًا أو كفًا عن قبيح إلا أطاعني كما رأيت خوفًا من المعتضد بالله وما احتجت أن أءذن في مثل ذلك الوقت إلى الآن ‏.‏

أنبأنا محمد بن أبي طاهر قال‏:‏ أنبأنا علي بن المحسن عن أبيه قال‏:‏ سمعت العباس بن عمرو الغنوي يقول‏:‏ لما أسرني أبو سعيد القرمطي وكسر العسكر الذي كان بعثه معي المعتضد إلى قتاله وحصلت في يده يئست من الحياة فأنا يومًا على تلك الصورة إذ جاءني رسوله فأخذ قيودي وغير ثيابي وأدخلني إليه فسلمت عليه وجلست فقال‏:‏ أتدري لم استدعيتك قلت‏:‏ لا‏!‏ قال‏:‏ إنك رجل عربي ومن المحال إذا استودعتك أمانة أن تخفيها ولا سيما مني عليك بنفسك ‏.‏

قلت‏:‏ هو كذلك ‏.‏

فقال‏:‏ إني فكرت فإذا لا طائل في قتلك وفي نفسي رسالة إلى المعتضد لا يجوز أن يؤديها غيرك فرأيت إطلاقك وتحميلك إياها إن حلفت أنك إن سيرتك إليه تؤديها فحلفت له فقال‏:‏ قل للمعتضد يا هذا لم تخرق هيبتك وتقتل رجالك وتطمع أعداءك في نفسك وتبعث في طلبي الجيوش وأنا رجل مقيم في فلاة لا زرع فيها ولا ضرع وقد رضيت لنفسي بخشونة العيش والعز بأطراف هذه الرماح ولا اغتصبتك بلدًا ولا أزلت سلطانك عن عملك ومع هذا فوالله لو أنفذت إلي جيشك كله ما جاز يظفر بي لأني رجل نشأت في القشف فاعتدته أنا ورجالي ولا مشقة علينا فيه وأنتتنفذ جيوشك من الجيوش والثلج والريحان فيجيئون من المسافة البعيدة الشاقة وقد قتلهم السفر قبل قتالنا وإنما غرضهم أن يبلغوا غرضًا من مواقفتنا ساعة ثم يهربون وإن هم هزموني بعد عشرين فرسخًا أو ثلاثين وجلت في الصحراء شهرًا أو شهرين ثم كبستهم على غرة فقتلتهم وإن كانوا محتزبين فما يمكنهم أن يطوفوا خلفي في الصحارى ولا تحملهم الإقامة في أماكنهم فأنت تنفق الأموال وتكلف الرجال الأخطار وأنا سليم من ذلك وهيبتك تتخرق في الأطراف كلما جرى عليك هذا فإن اخترت بعد محاربتي فاستخرت الله وإن أمسكت فذلك إليك ‏.‏

ثم سيرني وأنفذ معي عدة إلى الكوفة وسرت منها إلى الحضرة ودخلت إلى المعتضد فأخبرته بما قال في خلوة فرأيته يتمعط في جلده غيظًا حتى ظننت أنه سيسير إليه بنفسه وخرجت فما رأيته بعد ذلك ذكره ‏.‏

قال القاضي‏:‏ كأنه عرف صدق قوله فكف عنه ‏.‏

أنبأنا محمد بن أبي طاهر قال‏:‏ أنبأنا علي بن المحسن عن أبيه قال‏:‏ حدثني أبو الحسين علي بن هشام قال‏:‏ حدثني خفيف السمرقندي حاجب المعتضد قال‏:‏ كنت واقفًا بحضرة المعتضد إذ دخل بدر وهو يبكي وقد ارتفع الصراخ من دار عبيد الله بن سليمان عند موته فأعلم المعتضد الخبر فقال‏:‏ أوقد صح الخبر أو هي غشية قال‏:‏ بل قد توفي وشد لحيته فرأيت المعتضد قد سجد فأطال السجود فلما رفع رأسه قال بدر‏:‏ والله يا أمير المؤمنين لقد كان صحيح الموالاة مجتهدًا في خدمتك عفيفًا عن الأموال‏!‏ قال‏:‏ أفظننت يا بدر أني سجدت سرورًا بموته إنما سجدت شكرًا لله تعالى إذ وفقني فلم أصرفه ولم أوحشه ولي في جنب ورثته ما خلفه عليهم من كسبه معي ما لعله قيمة ألفي ألف دينار وقد عملت على أخذ ذلك منهم وأن أستوزر أحد الرجلين‏:‏ إما جرادة وهو أقوى الرجلين في نفسي لهيبته في قلوب الجيش والآخر أحمد بن محمد بن الفرات وهو أعرف بمواقع المال ‏.‏

فقال له بدر‏:‏ يا مولاي غرست غرسًا حتى إذا ما أثمر قلعته‏!‏ أنت ربيت القاسم وقد ألف خدمتك عشر سنين وعرف ما يرضي حاشيتك وجرادة رجل منكر ويخرج من الحبس جائعًا وابن الفرات لا هيبة له في النفوس وإنما يصلح أن يكون بحضرة وزير يمشي له أمر المال ومال القاسم وورثته لك ‏.‏

أي وقت أردته أخذته ‏.‏

فراجعه المعتضد وبين له فساد هذا الرأي فعدل عن المناظرة إلى تقبيل الأرض مرات فقال له المعتضد‏:‏ قد أجبتك فامض إلى القاسم فعزه ثانية وبشره بتقرير الرأي على استوزاره لتسله عن مصابه ومره بالبكور إلى الجامع فولى بدر فخرجت معه فدعاني المعتضد فعدت فقال‏:‏ أرأيت ما جرى قلت‏:‏ نعم‏!‏ فقال‏:‏ والله لا يقتل بدرًا غير القاسم‏!‏ فما تم للقاسم التدبير مع المكتفي حتى قتل بدرًا‏!‏ ‏.‏

قال خفيف‏:‏ رحم الله المعتضد‏!‏ كأنه نظر هذا من وراء ستر ‏.‏

قال المصنف‏:‏ وسيأتي كيفية قتل بدر في ولاية المكتفي بالله ‏.‏

وقال عبيد الله بن سليمان‏:‏ كنت يومًا بحضرة المعتضد وخادم من خدمه بيده المذبة فبينا هو يذب إذ ضرب بالمذبة قلنسوة المعتضد فسقطت فكدت أختلط إعظامًا للحال والمعتضد على حاله لم يتغير ولم ينكر شيئًا ثم دعا غلامًا فقال له‏:‏ هذا الغلام قد نعس فزد في عدد خدم المذبة ولا تنكر عليه بفعله قال عبيد الله‏:‏ فقبلت الأرض وقلت‏:‏ والله يا أمير المؤمنين ما سمعت بمثل هذا ولا ظننت أن حلمًا يسع مثله ‏.‏

ثم دعوت له ‏.‏

فقال‏:‏ هل يجوز غير هذا أنا أعلم أن هذا البائس لو دار في خلده ما جرى لذهب عقله وتلف وإنما ينبغي أن يلحق الإنكار بالمتعمد لا بالساهي والغالط ‏.‏

وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني أن المعتضد أراد تجهيز جيش فعجز عن ذلك بيت مال العامة فأخبر بمجوسي له مال عظيم فاستدعاه يستقرض منه وقال‏:‏ إنا نعيد العوض فقال‏:‏ مالي بين يدي أمير المؤمنين فليأخذ ما يشاء ‏.‏

فقال‏:‏ من أين وقعت بنا أننا نرد العوض فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين يأتمنك الله تعالى على عباده وبلاده فتؤدي الأمانة وتفيض العدل وتحكم بالحق وأخافك على جزء من مالي فدمعت عيناه فقال‏:‏ انصرف قد وفر الله عز وجل مالك وأغنانا عن القرض منك ومتى كانت لك حاجة فحجابنا مرفوع عنك ولم يستقرض منه شيئًا ‏.‏

فلما ولي المعتضد لم يكن في بيت المال إلا قراريط والحضرة مضطربة والأعراب عابثون فأصلح الأمور وحمى البيضة وبالغ في العمارة وأنصف في المعاملة واقتصد في النفقة فمات وفي بيت المال بضعة عشر ألف ألف دينار ‏.‏

وخرج يومًا فعسكر بباب الشماسية ونهى أحدًا أن يأخذ من بستان أحد شيئًا فأتى بأسود قد أخذ عذقًا من بسر فتأمله فأمر بضرب عنقه ثم التفت إلى أصابه فقال‏:‏ ويلكم تدرون ما تقول العامة قالوا‏:‏ لا‏!‏ قال‏:‏ يقولون ما في الدنيا أقسى قلبًا من هذا الخليفة ولا أقل دينًا منه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ لا قطع في ثمر ولا كثر ‏"‏ ‏.‏

والكثر‏:‏ الجمار فما رضي أن يقطع في هذا حتى قتل والله ما قتلت الأسود بسبب هذا‏!‏ ولكن لي معه خبر طريف أستأمن هذا من عسكر الزنج إلى أبي الموفق فخلع عليه ووصله فرأيته يومًا وقد نازع رجلًا في شيء فضربه بفأس فقطع يده فمات الرجل فحمله الناس إلى أبي الموفق فأهدر دم المقطوع اليد وأطلق الأسود ليتألف الزنج بذلك الفعل فاغتظت وقلت‏:‏ ترى أتمكن من قتل هذا الأسود وأنفذ حكم الله عز وجل فيه فوالله ما وقعت عيني عليه إلا في هذه الساعة فقتلته بذلك الرجل ‏.‏

ورفع إلى المعتضد أن قومًا يجتمعون ويرجفون ويخوضون في الفضول وقد تفاقم فسادهم فرمى بالرقعة إلى وزيره عبيد الله بن سليمان فقال‏:‏ الرأي صلب بعضهم وإحراق بعضهم‏!‏ فقال‏:‏ والله لقد بردت لهيب غضبي بقسوتك هذه ونقلتني إلى اللين من حيث أشرت بالحرق وما علمت أنك تستجيز هذا في دينك أما علمت أن الرعية وديعة الله عند سلطانها وأن الله تعالى سائلك عنها أما تدري أن أحدًا من الرعية لا لا يقول ما يقول إلا لظلم قد لحقه أو لحق جاره أو داهية قد نالته أو نالت صاحبه ثم قال‏:‏ سل عن القوم فمن كان سيء الحال فصله من بيت المال ومن كان يخرجه هذا إلى البطر فخوفه ففعل فصلحت الأحوال ‏.‏

وكان للمعتضد جارية يحبها وتحبه غاية المحبة فماتت فجزع عليها جزعًا منعه من الطعام يا حبيبًا لم يكن يع - دله عندي حبيب أنت عن عيني بعيد ومن القلب قريب ليس لي بعدك في شيء من اللهو نصيب لك من قل - بي وان بنت رقيب وخيالي منك مذ غب - ت خيال ما يغيب لو تراني كيف لي بع - دك عول ونحيب وفؤادي حشوه من حرق الحزن لهيب لتيقنت بأني بك محزون كئيب ما أرى نفسي وان وط - ئتها عنك تطيب لي دمع ليس يعص - يني وصبر ما يجيب وله‏:‏ لم أبك للدار ولكن لمن قد كان فيها مرة ساكنا فخانني الدهر بفقدانه وكنت من قبل له آمنا مثلك يا أمير المؤمنين تهون عليه المصائب لأنه يجد من كل فقيد خلفًا ويقدر على ما يريد والعوض منك لا يوجد ولا ابتلى الله عز وجل الإسلام بفقدك وعمره ببقائك فقد قال الشاعر في المعنى الذي ذكره‏:‏ يبكى علينا ولا نبكي على أحد إنا لأغلظ أكبادًا من الإبل فضحك المعتضد وعاد إلى عاداته ‏.‏

قال أبو عبيدة‏:‏ الإبل توصف بغلظ الأكباد ‏.‏

وقال ثعلب‏:‏ الناس في أمر الإبل على ضد هذا لأنهم يصفونها بالرقة والحنين ‏.‏

وقال عبد الله بن المعتز يعزي المعتضد في هذه الجارية ‏.‏

يا إمام الهدى بنا لا بك الغم أفنيتنا وعشت سليما أنت علمتنا على النعم الشك - ر وعند المصائب التسليما فاسل عما مضى فإن التي كا - نت سرورًا وصارت ثوابًا عظيما قد رضينا بأن نموت وتحيا إن عندي في ذاك حظًا جسيما ولليلتين خلتا من شعبان في هذه السنة قدم على المعتضد رسول عمرو بن الليث بهدايا وسأل ولاية خراسان فوجه المعتضد عيسى النوشري مع الرسول ومعه خلع ولواء عقده له خراسان فوصلوا إليه في رمضان وخلع عليه ونصب اللواء في صحن داره ثلاثة أيام ‏.‏

وفي شوال‏:‏ قدم الحسين بن عبد الله الجصاص من مصر رسولًا لخمارويه ومعه هدايا من العين عشرين حملًا على بغال وعشرة من الخدم وصندوقان فيهما طرائف وعشرون رجلًا على عشرين نجيبًا بالسروج المحلاة ومعهم جراب فضة وعليهم أقبية الديباج والمناطق المحلاة وسبع عشرة دابة بسروج ولجم منها خمسة بذهب والباقي بفضة وسبعة وثلاثون دابة بحلال مشهرة وخمسة أبغل وزرافة فخلع المعتضد على ابن الجصاص وعلى سبعة نفر معه وسعى ابن الجصاص في تزويج ابنة خمارويه من علي بن المعتضد فقال المعتضد‏:‏ أنا أتزوجها‏!‏ فتزوجها ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة‏:‏ هارون بن محمد الهاشمي وهي آخر حجة حجها فإنه حج بالناس ست عشرة سنة من سنة أربع وستين إلى هذه السنة ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أمير المؤمنين ابن المتوكل

توفي ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب هذه السنة فجأة وكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وثلاثة أيام ‏.‏

أحمد بن أبي خيثمة بن زهير بن حرب بن شداد أبو بكر نسائي الأصل سمع عفان بن مسلم وأبا نعيم وخلقًا كثيرًا ‏.‏

وكان ثقة عالمًا متقنًا حافظًا ‏.‏

أخذ علم الحديث عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلم النسب عن مصعب الزبيري وأيام الناس عن أبي حسن المدائني والأدب عن محمد بن سلام الجمحي وصنف تاريخًا مستوفي كثير الفوائد ‏.‏

روى عنه‏:‏ البغوي وابن صاعد وابن أبي داود وابن المنادي ‏.‏

وتوفي في جمادى الأولى من هذه السنة وهو ابن أربع وتسعين سنة ‏.‏

إبراهيم بن عبد الرحيم بن عمر أبو إسحاق ويعرف بابن دنوقا سمع محمد بن سابق وأبا معمر الهذلي وغيرهما ‏.‏

روى عنه‏:‏ ابن صاعد وأبو الحسين بن المنادي وقال الدارقطني‏:‏ هو ثقة ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أبو بكر الخطيب أخبرنا موسى بن عبد الواحد حدثنا محمد بن العباس قال‏:‏ قرئ على ابن المنادي وأنا أسمع قال‏:‏ إبراهيم بن عبد الرحيم محيي السنة صدوق في الرواية كتب الناس عنه فأكثروا ‏.‏

مات يوم الخميس لسبع خلون من جمادى الأولى من هذه السنة ‏.‏

جعفر بن محمد بن الحسن بن زياد أبو يحيى الزعفراني من أهل الري قدم بغداد وحدث بها عن إبراهيم بن المنذر الحزامي وسريج بن يونس وغيرهما ‏.‏

روى عنه‏:‏ ابن مخلد وابن قانع وأبو بكر الشافعي قال الدار قطني‏:‏ هو ثقة صدوق ‏.‏

توفي بالري في ربيع الآخر من هذه السنة ‏.‏

جعفر بن محمد بن شاكر أبو محمد الصائغ سمع من عفان وقبيصة وأبي نعيم وغيرهم ‏.‏

روى عنه‏:‏ ابن صاعد وابن مخلد وابن حسين بن المنادي والنجاد وأبو بكر الشافعي وكان عابدًا زاهدًا ثقة صدوقًا متقنًا ضابطًا ‏.‏

وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة ودفن في مقابر باب الكوفة ببغداد ‏.‏

خاقان أبو عبد الله الصوفي ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ ذكر لي أبو نعيم الحافظ أنه كان من كبار الصوفية البغداديين وقال لي‏:‏ سمعت أبي يقول‏:‏ سمعت جعفر الحذاء الشيرازي - وذكر خاقان - فقال‏:‏ كان صاحب كرامات وذكر أن ابن فضلان الرازي قال‏:‏ كان أبي أحد الباعة ببغداد وكنت على سرير حانوته جالسًا فمر إنسان ظننت أنه من فقراء البغداديين وأنا حينئذ لم أبلغ الحلم فجذب قلبي فقمت وسلمت عليه ومعي دينار فدفعته إليه فتناوله ومضى ولم يقبل علي فقلت في نفسي‏:‏ ضيعت الدينار فتبعته حتى انتهى إلى مسجد الشونيزييه فرأى فيه ثلاثة من الفقراء فدفع الدينار إلى أحدهم واستقبل هو القبلة يصلي فخرج الذي أخذ الدينار وأنا أتبعه وراءه أرقبه فاشترى طعامًا فحمله يأكله الثلاثة والشيخ مقبل على صلاته يصلي فلما فرغوا أقبل عليهم الشيخ فقال‏:‏ لا يا أستاذ ‏.‏

قال‏:‏ شاب ناولني الدينار فكنت أسأل الله تعالى أن يعتقه من رق الدنيا وقد فعل فلم أتمالك أن قعدت بين يديه وقلت‏:‏ صدقت يا أستاذ وكان هذا الشيخ خاقان ‏.‏

عبد الرحمن بن أزهر بن خالد أبو الحسن الأعور هروي الأصل حدث عن أبي نعيم الفضل بن دكين وروى عنه ابن مخلد وإسماعيل الصفار وكان ثقة ‏.‏

وتوفي في هذه السنة ‏.‏

محمد بن أزهر أبو جعفر الكاتب سمع أبا نعيم وأبا الوليد الطيالسي ومسددًا والشاذكوني وغيرهم روى عنه‏:‏ أبو بكر الشافعي وغيره ‏.‏

وتوفي في جمادى الأولى من هذه السنة وكان قد بلغ الثمانين وكان عند الناس مقبولًا ‏.‏

محمد بن إسرائيل بن يعقوب سمع محمد بن سابق ومعاوية بن عمرو وعمرو بن حكام وغيرهم ‏.‏

روى عنه‏:‏ القاضي المحاملي وأحمد بن كامل وأبو بكر الشافعي وغيرهم وكان ثقة ‏.‏

وتوفي في ربيع الأول من هذه السنة وقيل‏:‏ في سنة ثمانين ‏.‏

نصر بن أحمد بن أسد بن سامان ‏.‏

وكان سامان مع أبي مسلم صاحب الدعوة وهو جد السامانية وكان ينتسب إلى الأكاسرة ويقول أنه من ولد بهرام بن أردشير بن سابور توفي وخلف ابنه أسدًا وكان ابنه أسد في حملة علي بن عيسى بن ماهان حين ولاه الرشيد خراسان توفي أسد في ولايته وخلف نوحًا وأحمد ويحيى وإلياس فولي أحمد بن أسد فرغانة ونوح سمرقند ويحيى بن أسد الشاش وأشروسنة وإلياس هراة وكان أحمد أحسنهم سيرة ‏.‏

تولى في ولاية عبد الله بن طاهر فتوفي وخلف سبعة بنين وأوصى إلى ابنه نصر فولى ابنه نصر بن أحمد ما كان إلى أبيه من سمرقند والشاش وفرغانة وولى أخاه إسماعيل بخارى وأعمالها هؤلاء يسمون السامانية ‏.‏

وتوفي نصر بن أحمد في جمادى الآخرة من هذه السنة بسمرقند وكان أديبًا ‏.‏

ثم دخلت فمن الحوادث فيها‏:‏ أن المعتضد أخذ محمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيلمة وكان شيلمة مع صاحب الزنج إلى آخر أيامه ثم لحق بأبي أحمد في الأمان فرفع عنه إلى المعتضد أنه يدعو إلى رجل لم يوقف على اسمه وأنه قد أفسد جماعة فأخذ المعتضد فقرره فلم يقر وسأله عن الرجل الذي يدعو إليه فقال‏:‏ لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه فقتله وصلبه لسبع خلون من المحرم ‏.‏

ولليلة خلت من صفر شخص المعتضد من بغداد يريد بني شيبان فقصد الموضع الذي كانوا يتخذونه معقلًا فأوقع بهم وقتل وسبى وعاد وكان معه دليل طيب الصوت وكان يأمره أن يحدو به فأشرف على جبل يقال له نوباذ فأنشد الأعرابي‏:‏ وأجهشت للتوباذ حين رأيته وهلل للرحمن حين رآني وقلت له أين الذين عهدتهم بظلك في خفض وأمن زمان فقال‏:‏ مضوا واستخلفوني مكانهم ومن ذا الذي يبقى على الحدثان فتغرغرت عين المعتضد وقال‏:‏ ما سلم أحد من الحدثان‏!‏ ودخل بيوت الأعراب في عدة قليلة فلحقه بدر فقال‏:‏ لو عرفوني تفرقوا أما علمت أن الرصافية وحدها عشرون ألفًا ‏.‏

واصطفى المعتضد من الأعراب عجوزًا فصيحة فجاءت يومًا فجلست فقال لها الحاجب‏:‏ قومي إلى أن نأمرك تجلسين بين يدي أمير المؤمنين‏!‏ فقالت‏:‏ أنت لم تعرفني ما أعمل ثم قامت فتغافل عنها المعتضد فقالت‏:‏ أقيام إلى الأبد فمتى ينقضي الأمد‏!‏ فضحك وأمرها بالجلوس ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ وجه يوسف بن أبي الساج اثنين وثلاثين نفسًا من الخوارج من طريق الموصل فضربت أعناق خمسة وعشرين منهم وصلبوا وحبس باقيهم ‏.‏

وفيها‏:‏ ورد الخبر بغزو إسماعيل بن أحمد بلاد الترك وقتله خلقًا كثيرًا من الترك وافتتاحه مدينة ملكهم وأسره إياه وامرأته خاتون ونحو عشرة آلاف وقتل منهم خلقًا كثيرًا وغنم دواب كثيرة وأصاب الفارس من المسلمين من الغنيمة في القسم ألف درهم ‏.‏

وفي ذي الحجة‏:‏ ورد كتاب من دبيل أن القمر قد انكسف في شهر شوال لأربع عشرة خلت منه ثم تجلى في آخر الليل فأصبحوا صبيحة تلك الليلة والدنيا مظلمة ودامت الظلمة عليهم فلما كان عند العصر هبت ريح سوداء شديدة فدامت إلى ثلث الليل فلما كان ثلث الليل زلزلوا فأصبحوا وقد ذهبت المدينة فلم ينج من منازلها إلا اليسير قدر مائة دار وأنهم دفنوا إلى حين كتبوا الكتاب ثلاثين ألف نفس يخرجون من تحت الهدم ويدفنون وأنهم زلزلوا بعد الهدم خمس مرات وقيل أنه أخرج من تحت الهدم خمسون ومائة ألف إنسان ميت ‏.‏

وأمر المعتضد بتسهيل عقبة حلوان فسهلت وغرم عليها عشرون ألف دينار وكان الناس يلقون منها مشقة شديدة ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ زاد المعتضد في جامع المنصور ودار المنصور وفتح بينهما سبعة عشر طاقًا وحول المنبر والمحراب والمقصورة إلى المسجد الجديد وتولى ذلك يوسف بن يعقوب القاضي فبلغت النفقة عشرين ألف دينار ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أنبأنا إبراهيم بن مخلد قال‏:‏ أخبرنا إسماعيل بن علي قال‏:‏ أخبرنا المعتضد بالله بضيق المسجد الجامع بالجانب الغربي في مدينة المنصور وأن الناس يضطرهم الضيق إلى أن يصلوا في المواضع التي لا تجوز في مثلها الصلاة فأمر بالزيادة فيه من قصر المنصور فبنى مسجدًا على مثال المسجد الأول في مقداره أو نحوه ثم فتح صدر قال الخطيب‏:‏ وزاد بدر مولى المعتضد من قصر المنصور المسقطات المعروفة بالبدرية في ذلك الوقت ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ أمر المعتضد ببناء القصر الحسني وهو دار الخلافة اليوم وهو أول من سكنها من الخلفاء ‏.‏

أخبرنا أبو المنصور عبد الرحمن بن محمد القزاز أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال‏:‏ حدثني هلال بن المحسن قال‏:‏ كانت دار الخلافة التي على شاطئ دجلة تحت نهر معلى قديمًا للحسن بن سهل ويسمى القصر الحسني فلما توفي صار لبوران ابنته فاستنزلها المعتضد بالله عنها فاستنظرته أيامًا في تفريغها وتسليمها ثم رمتها وعمرتها وجصصتها وبيضتها وفرشتها بأجل الفرش وأحسنه وعلقت أصناف الستور على أبوابها وملأت خزائنها بكل ما يخدم الخلفاء به ورتبت فيها من الخدم والجواري ما تدعو الحاجة إليه فلما فرغت من ذلك انتقلت وراسلته بالانتقال فانتقل المعتضد إلى الدار فوجد ما استكثره واستحسنه ثم استضاف المعتضد إلى الدار مما جاورها كل ما وسعها به وكبرها وعمل عليها سورًا جمعها به وحصنها وقام المكتفي بالله بعده ببناء التاج على دجلة وعمل وراءه من القباب والمجالس ما تباهى في توسعته وتعليته ووافى المقتدر بالله وزاد في ذلك وأوفى مما أنشأه واستحدثه وكان الميدان والثريا وحير الوحش متصلًا بالدار ‏.‏

قال الخطيب‏:‏ كذا ذكر لي هلال بن المحسن‏:‏ أن بوران أسلمت الدار إلى المعتضد وذلك غير صحيح لأن بوران لم تعش إلى وقت المعتضد ويشبه أن يكون سلمت الدار إلى المعتمد والله أعلم ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني هلال بن المحسن قال‏:‏ حدثني أبو نصر أخو أشاذه خازن عضد الدولة قال‏:‏ طفت دار الخلافة عامرها وخرابها وحريمها وما يجاورها ويتاخمها فكان ذلك مثل مدينة شيراز ‏.‏

قال هلال بن المحسن‏:‏ وسمعت هذا من جماعة عمار مستبصرين ثم أن المعتضد استوبأ بغداد وكان يرى دخان كيف يفلح بلد يخالط هواه هذا ‏.‏

فأمر أن لا يزرع الأرز حول بغداد ولا يغرس النخل ثم خط الثريا وبناها ووصلها بقصر الحسني وانتقل إليها وأمر أن تنقل إليه سوق فضج الناس من هذا فعفاهم وقال‏:‏ من أراد ربحًا فسيجيء طائعًا وكان يمدح الثريا فيقول‏:‏ أنا على سريري أخاطب وزيري وصيد البر والبحر يصاد بين يدي ‏.‏

وبنى أبنية جليلة ببراز الروز فلما اعتل في آخر أيامه طلب صحة الهواء فأمر أن يبنى له قصر فوق الشماسية فابتيع ما للناس هناك من الدور ومات قبل أن يستتم البناء فقال الناس‏:‏ ما أحدث المعتضد شيئًا قط يخالف الحق إلا أخذ دور الشماسية وإجبار أهلها على البيع ‏.‏

 ثم دخلت سنة ثمانين ومائتين

وفي سنة ثمانين‏:‏ أمر المعتضد ببناء مطامير في قصر الحسني رسمه هو للصناع فبنيت محكمة وجعلها محابس الأعداء وكان الناس يصلون الجمعة في الدار وليس هناك رسم مسجد إنما يؤذن للناس في الدخول وقت الصلاة ويخرجون عند انقضائها ‏.‏

وورد في ذي الحجة كتاب أحمد بن عبد العزيز على المعتضد بالله أنه هزم رافع بن هرثمة وأخذ منه ثمانين ألف دابة وبغل ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة أبو بكر محمد بن هارون المعروف بابن ترنجة ‏.‏أحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر أبو العباس البرتي القاضي حدث عن مسلم بن إبراهيم وأبي الوليد الطيالسي وأبي سلمى التبوذكي وأبي نعيم الفضل بن دكين في خلق كثير من البغداديين والكوفيين والبصريين وكان ثقة وصنف المسند وأخذ الفقه عن أبي سليمان الجوزجاني صاحب محمد بن الحسن وولي القضاء بواسط وقطع من أعمال السواد ثم ولي القضاء بالشرقية في أيام المعتمد فبعث إليه الموفق وإلى إسماعيل بن إسحاق وقد عزم على الانحدار إلى بصرة أن يقتضيا ما في أيديهما من الوقوف فحمل إليه إسماعيل ما كان من قبله واستنظر أبو العباس البرتي ثلاثة أيام ليجمع المال وعمد إلى ما كان في يده فدفعه إلى من آنس منه رشدًا ممن حوله وإلى الأمناء الذين يثق بهم فلما طولب بالمال قال‏:‏ سلمته إلى أربابه وما بقي عندي منه شيء فصرف عن القضاء بهذا السبب ‏.‏

وحكى العلاء بن صاعد قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ودخل عليه أبو العباس فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصافحه وقبل بين عينيه وقال‏:‏ مرحبًا بالذي يعمل بسنتي وأثري ‏.‏

ثم لزم البرتي بيته واشتغل بالتعبد ‏.‏

أحمد بن أبي عمران واسمه موسى بن عيسى أبو جعفر الفقيه البغدادي أحد أصحاب الرأي ‏.‏

أخذ الفقه عن محمد بن سماعة وأضرا به ونزل مصر وحدث بها عن عاصم بن علي وعلي بن الجعد ومحمد بن الصباح وغيرهم ‏.‏

وكان أستاذ أبي جعفر الطحاوي وكان ضريرًا قال أبو سعيد بن يونس‏:‏ حدث بحديث كثير من حفظه وكان ثقة وتوفي في محرم هذه السنة بمصر ‏.‏

إبراهيم بن المنصور أبو يعقوب الصوري خراساني قدم مصر وحدث بها وتوفي في هذه السنة

جعفر بن أحمد بن معبد الوراق حدث عن عاصم بن علي ومسدد وروى عنه ابن مخلد وابن السماك وأبو بكر الشافعي وتوفي في هذه السنة ‏.‏

حامد بن سهل بن سالم أبو جعفر يعرف بالثغري ‏.‏

سمع معاذ بن فضالة وخالد بن خداش وروى عنه‏:‏ ابن صاعد وابن مخلد وابن السماك وأبو بكر الشافعي ‏.‏

قال الدارقطني‏:‏ كان ثقة ‏.‏

وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة ‏.‏

زكريا بن أيوب أبو يحيى ‏.‏

من أهل أنطاكية ‏.‏

قدم مصر وحدث بها ‏.‏

وتوفي في رمضان هذه السنة وكان ثقة ثبتًا صالحًا ‏.‏

 ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ أن المسلمين دخلوا بلاد الروم ففتحوا بعضها ثم عادوا فغزوهم فغنموا وظفروا ‏.‏

وفيها‏:‏ غارت المياه بالري وطبرستان وأصاب الناس بعد ذلك جهد جهيد وقحط حتى أكل الناس بعضهم بعضًا وأكل إنسان منهم ابنته ‏.‏

ولليلتين خلتا من رجب شخص المعتضد إلى الجبل فقصد ناحية الدينور وولى أبا محمد علي بن المعتضد الري وقزوين وزنجان وأبهر وقم وهمذان والدينور وقلد عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف أصبهان ونهاوند والكرخ وتعجل المعتضد الانصراف من أجل غلاء الأسعار وقلة الميرة فوافى المعتضد بالله بغداد يوم الأربعاء لست خلون من رمضان ‏.‏

ولست بقين من ذي القعدة‏:‏ خرج المعتضد إلى الموصل عامدًا لحمدان بن حمدون وذلك أنه بلغه أنه مال إلى هارون الشاري ودعا له فلما صار المعتضد بالله بنواحي الموصل كتب إلى إسحاق بن أيوب وإلى حمدان أن يتلقاه فأسرع إسحاق وتحصن حمدان في قلاعه ‏.‏

وورد كتاب المعتضد يذكر أن الله نصره على الأكراد والأعراب فقتل منهم خلقًا كثيرًا ‏.‏

ثم خرج المعتضد عامدًا لقلعة ماردين وكانت في يد حمدان فهرب وخلف ابنه بها فنزل المعتضد عليها وحاربهم من فيها يومهم فلما كان من الغد ركب المعتضد وصعد القلعة حتى قرب من الباب ثم صاح‏:‏ يا ابن حمدان فأجابه فقال‏:‏ افتح الباب ‏.‏

ففتحه فقعد المعتضد في الباب ونقل ما في القلعة ثم أمر بهدمها فهدمت ‏.‏

وحمل خمارويه بن أحمد ابنته إلى المعتضد وقد كان المعتضد تزوجها في آخر رمضان هذه السنة لعل بالعراق ما نحتاج إليه مما ليس عندنا فاشتر شيئًا إن أردت بهذه فأخذها إليه فاشترى منها شيئًا ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة محمد بن هارون وأصاب الحاج بالأجفر مطر عظيم فمات منهم بشر كثير وكان الرجل يغرق في الرمل ما يقدر أحد على إخراجه ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن سهل بن الربيع بن سليمان الأخميمي ‏.‏

كان مقبولًا عند القضاة وحدث عن يحيى بن بكير وغيره ‏.‏

توفي في هذه السنة ‏.‏

إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن الجبلي يكنى أبا القاسم ولد سنة اثنتي عشرة ومائتين وسمع منصور بن أبي مزاحم وطبقته ولم يحدث إلا بشيء يسير وكان يذكر بالفهم ويوصف بالحفظ ويفتي الناس بالحديث ويذاكر ‏.‏

وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة وصلى عليه إبراهيم الحربي ‏.‏

أبو بكر القرشي المعروف بابن أبي الدنيا مولى بني أمية ‏.‏

ولد سنة ثمان ومائتين وسمع إبراهيم بن المنذر الحزامي وخالد بن خداش وعلي بن الجعد وخلقًا كثيرًا وقد أدب غير واحد من أولاد الخلفاء منهم‏:‏ المعتضد وعلي بن المعتضد وكان يجري له في كل شهر خمسة عشر دينارًا وكان يقصد أحاديث الزهد والرقائق وكان لأجلها يكتب عن البرجلاني ويترك عفان بن مسلم وكان ذا مروءة ثقة صدوقًا صنف أكثر من مائة مصنف في الزهد ‏.‏

قال أبو علي صالح بن محمد الحافظ‏:‏ إلا أنه كان يسمع من إنسان يقال له محمد بن إسحاق البلخي وكان ذلك كذابًا يضع للكلام إسنادًا ويروي أحاديث مناكير ‏.‏

قال المصنف‏:‏ قد روى ابن أبي الدنيا عن محمد بن إسحاق بن يزيد بن عبيد الله الضبي وقد ذكره ابن أبي حاتم في الكذابين وقد ذكرنا وفاته في سنة ست وثلاثين ومائتين وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن إسحاق اللؤلؤي البلخي ولم يكن بثقة ذوقد ذكرنا وفاته أربع وأربعين ومائتين ‏.‏

أخبرنا ابن ناصر أخبرنا أبو غالب محمد بن إبراهيم بن محمد الصقلي حدثنا واقد بن الخليل حدثني محمد بن عبد الواحد حدثنا عبد الله بن محمد الخطيب قال‏:‏ حدثني علي بن إبراهيم قال حدثنا عمر بن سعد القراطسي قال‏:‏ كنا على باب ابن أبي الدنيا ننتظر خروجه فجاءت السماء بمطر فأتتنا جارية برقعة فقرأتها فإذا فيها مكتوب‏:‏ أنا مشتاق إلى رؤيتكم يا أخلائي وسمعي والبصر كيف أنساكم وقلبي عندكم حال فيما بيننا هذا المطر توفي في جمادى الأولى من هذه السنة وصلى عليه يوسف بن يعقوب ودفن في الشونيزية وبلغ من العمر نيفًا وسبعين سنة ‏.‏